الشوكاني

295

فتح القدير

( وما نحن بمسبوقين ) أي بمغلوبين إن أردنا ذلك بل نفعل ما أردنا لا يفوتنا شئ ولا يعجزنا أمر ، ولكن مشيئتنا وسابق علمنا اقتضيا تأخير عقوبة هؤلاء وعدم تبديلهم بخلق آخر ( فذرهم يخوضوا ويلعبوا ) أي اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم ، واشتغل بما أمرت به ولا يعظمن عليك ما هم فيه ، فليس عليك إلا البلاغ ( حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) وهو يوم القيامة ، وهذه الآية منسوخة بآية السيف . قرأ الجمهور يلاقوا ، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن وحميد ومجاهد حتى يلقوا ( يوم يخرجون من الأجداث سراعا ) يوم بدل من يومهم ، وسراعا منتصب على الحال من ضمير يخرجون ، قرأ الجمهور يخرجون على البناء للفاعل . وقرأ السلمي والأعمش والمغيرة وعاصم في رواية على البناء للمفعول ، والأجداث جمع جدث ، وهو القبر ( كأنهم إلى نصب يوفضون ) قرأ الجمهور " نصب " بفتح النون وسكون الصاد . وقرأ ابن عامر وحفص بضم النون والصاد ، وقرأ عمرو بن ميمون وأبو رجاء بضم النون وإسكان الصاد . قال في الصحاح : والنصب ما نصب فعبد من دون الله ، وكذا النصب بالضم ، وقد يحرك . قال الأعشى : وذا النصب المنصوب لا تعبدنه * ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا والجمع الأنصاب ، وقال الأخفش والفراء : النصب جمع النصب ، مثل رهن ورهن ، والأنصاب جمع النصب ، فهو جمع الجمع ، وقيل النصب جمع نصاب ، وهو حجر أو صنم يذبح عليه ، ومنه قوله - وما ذبح على النصب - وقال النحاس : نصب ونصب بمعنى واحد ، وقيل معنى ( إلى نصب ) إلى غاية ، وهي التي تنصب إليها بصرك ، وقال الكلبي : إلى شئ منصوب علم أو راية : أي كأنهم إلى علم يدعون إليه ، أو راية تنصب لهم يوفضون . قال الحسن : كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله لا يلوى أولهم على آخرهم . وقال أبو عمرو : النصب شبكة الصائد يسرع إليها عند وقوع الصيد فيها مخافة انفلاته . ومعنى يوفضون : يسرعون ، والإيفاض الإسراع . يقال أوفض إيفاضا : أي أسرع إسراعا ، ومنه قول الشاعر : فوارس ذبيان تحت الحديد * كالجن يوفض من عبقر وعبقر : قرية من قرى الجن كما تزعم العرب ، ومنه قول لبيد : كهول وشبان كجنة عبقر وانتصاب ( خاشعة أبصارهم ) على الحال من ضمير يوفضون وأبصارهم مرتفعة به ، والخشوع الذلة والخضوع : أي لا يرفعونها لما يتوقعونه من العذاب ( ترهقهم ذلة ) أي تغشاهم ذلة شديدة . قال قتادة : هي سواد الوجوه ، ومنه غلام مراهق : إذا غشيه الاحتلام ، يقال رهقه بالكسر يرهقه رهقا : أي غشيه ، ومثل هذا قوله - ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة - والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم ذكره . وهو مبتدأ وخبره ( اليوم الذي كانوا يوعدون ) أي الذي كانوا يوعدونه في الدنيا على ألسنة الرسل قد حاق بهم وحضر ووقع بهم من عذابه ما وعدهم الله به ، وإن كان مستقبلا ، فهو في حكم الذي قد وقع لتحقق وقوعه . وقد أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب ) قال : للشمس كل يوم مطلع تطلع فيه ، ومغرب تغرب فيه غير مطلعها بالأمس وغير مغربها بالأمس . وأخرج ابن جرير عنه ( إلى نصب يوفضون ) قال : إلى علم يستبقون .